حيدر حب الله

20

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

من الأنبياء ، لا لكي يأتوا بجديدٍ يكملون به المشروع الديني التاريخي ، بل لكي يعيدوا تذكير الناس بما بُعث به السابقون ، وإذا كان هناك من اختلاف فهو في بعض التفاصيل الشرعيّة الجزئيّة التي تتغيّر بطبعها بتغيّر الزمان والمكان ، فالرسالة الإلهيّة الكبرى راعت التغيّر الزمكاني ، فتغيّرت بعضُ الأحكام من دينٍ ( فترة ) إلى دين ( فترة ) ، وإلا فإنّ الدين واحدٌ ، لا يزيد دين الإسلام المحمدي فيه عمّا جاء به موسى وعيسى ونوح وإبراهيم ولوط ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم من الأنبياء . وهذا معنى أنّ النبي محمّداً كان مطالباً باتّباع إبراهيم الخليل ، من وجهة نظر هؤلاء الباحثين ، وهذا أيضاً هو معنى أنّ القرآن طالب اليهود والنصارى بالعمل بما في التوراة والإنجيل ؛ لا احتجاجاً ، بل لأنّ العمل بما في التوراة والإنجيل هو عملٌ بما في القرآن ، لا فرق في ذلك من وجهة النظر هذه . وعلى أيّة حال ، فالتدرّج هنا - وفقاً للرأي المشهور بين المسلمين - هو تدرّجٌ في بيان الدين الكامل عبر التاريخ ، بحيث ظهر منه في كلّ فترة جزء إلى أن اكتملت الأجزاء بالديانة المحمديّة الخاتمة ، وهذا التدرّج يغطّي كلّ الأديان الإلهيّة ولا تختلف فيه ديانة عن أخرى ، فكلّ ديانة تتكفّل بيان قدرٍ إضافيّ من الدين ، حتى نصل إلى الرسالة الإسلاميّة التي أكملت الجزء الأخير ، فظهر الدين الكامل كلّه معها . وعلى هذا ، فلا تناقض بين الديانات ولا اختلاف في سياساتها ، فسؤالكم لا يجري هنا ؛ لأنّ كلّ الديانات اشتغلت على هذه السياسة الاستراتيجيّة العامّة ، فلم تشأ الإرادة الإلهيةّ أن يظهر الدين الكامل في عصر نوح عليه السلام ، ولا في عصر عيسى ، بل كانت المشيئة هي التدرّج في البيان عبر الديانات النبويّة